محمد أبو زهرة
107
المعجزة الكبرى القرآن
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) [ القصص : 4 ، 5 ] . ولا شك أن نسج الآيات متماسك ، بخيوط دقيقة غير قابلة لأن تنقطع وهي واضحة في تصوير الحاكم الفاسد كيف يعلو في الأرض ، وكيف يتحكم ، وقد قال الباقلاني في صيغة العبارة بالنسبة للآية الأولى : « هذه تشتمل على ست كلمات ، سناؤها وضياؤها على ما ترى ، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد ، ورونقها على ما تعاين ، وفصاحتها على ما تعرف » . وهي تشتمل على جملة وتفصيل ، وجامعة وتفسير ، ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبى النساء ، وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما ، لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم ، والقلوب لا تقر على هذا الجور ، ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد ، وكفت في التنظيم ، وردت آخر الكلام على أوله ، وعطفت عجزه على صدره . ثم ذكر وعده بالتخليص بقوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) ، وهذا من التأليف بين المؤتلف ، والجمع بين المستأنس » « 1 » . هذا ما ذكره الباقلاني من ناحية التآخي في الألفاظ والالتحام في نسجها ، وإنك لتجد ذلك التآخي في سوق العلو الذي تعالى به وهو في الأرض ، فقال تعالى : عَلا فِي الْأَرْضِ فهو علو من في الأرض ، ولاصق بها ، فليس يعلو إلى السماء ، ولكنه مستمر في الأرض ، فهو استعلاء وليس بعلو ، والاستعلاء طلب للعلو ، أو الإحساس به ، وليس قائما على أي اعتبار ، فكان ذلك التقابل في اللفظ من حيث الانسجام ، ومن حيث المعنى ، فيه دليل على أنه استكبار وليس علوا في ذاته . ولكن كيف يستقيم له هذا العلو ، وهو لاصق في الأرض متنقل فيها ، إنما هو الغلو في الكبر ، وحمل الناس على الإقرار أو السكوت ، أو ظهور الرضا وما هم براضين ، لأن أساس الرضا التخيير ولا اختيار ، فإن لم يكن فلا رضا . ولننتقل من ذلك النص المصور للاستعلاء الكاذب الظالم إلى ما سلكه لحمل الناس على السكوت عنه ، أو الخضوع له كارهين ، وإن مردت نفوسهم على الخضوع ، حتى صاروا كالطائعين ، وذلة الإحساس بالتحكم قارة في نفوسهم حتى أخضعتها ، فجعلتها خانعة ، وأظهرتها راضية ، ولا رضا عندها لأنه لا اختيار لها فيما تختار .
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ص 295 .